- 2 October 2022
- askhatirkhalid
- 0
الدكتور عبد الرحيم حمانة: تكامل إمارة المؤمنين والمذهب المالكي ركيزة استقرار النموذج الديني المغربي
أكد الدكتور عبد الرحيم حمانة أن النموذج الديني المغربي يستمد قوته واستمراريته من التكامل التاريخي والمؤسساتي بين مؤسسة إمارة المؤمنين والمذهب المالكي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للهوية الوطنية المغربية ومصدرًا لتحقيق التوازن بين المرجعية الدينية ومؤسسات الدولة الحديثة.
وأوضح الباحث، في دراسة بعنوان “إمارة المؤمنين والمذهب المالكي في المغرب.. الروابط التاريخية والروحية والدستورية”، أن مؤسسة إمارة المؤمنين تمثل نموذجًا فريدًا داخل الأنظمة السياسية الإسلامية، نظراً لما حافظت عليه من استمرارية للشرعية الدينية داخل الدولة، في وقت تراجعت فيه هذه الوظيفة في عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة.
وأشار إلى أن المغرب اختار تكريس هذه المؤسسة داخل دستوره، لتتجاوز دورها السياسي نحو أدوار دينية وروحية مرتبطة برعاية الشأن الديني للأمة، في انسجام تام مع المذهب المالكي الذي ظل المرجعية الفقهية للمغاربة منذ قرون.
إمارة المؤمنين.. جذور تاريخية ومكانة دستورية
أبرز عبد الرحيم حمانة أن لقب “أمير المؤمنين” يعد من أقدم الألقاب في التاريخ الإسلامي، حيث ظهر لأول مرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليصبح رمزًا يجمع بين القيادة السياسية والرعاية الدينية.
وأضاف أن مؤسسة إمارة المؤمنين بالمغرب مرت عبر مراحل تاريخية متعددة، انطلاقًا من الدولة الإدريسية التي أسست دعائم الشرعية العلوية، مرورًا بدول المرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين، وصولًا إلى الدولة العلوية الشريفة التي حافظت على هذا اللقب ومضامينه منذ القرن السابع عشر.
وأوضح الباحث أن دستور المملكة لسنة 2011 عزز المكانة الدستورية لهذه المؤسسة، حيث نص على أن الملك، بصفته أميرًا للمؤمنين، يترأس المجلس العلمي الأعلى، ويضمن حرية ممارسة الشعائر الدينية، كما يضطلع باختصاصات مرتبطة بالإمامة الكبرى، من بينها تعيين العلماء والقضاة وإصدار الظهائر ذات الطابع الديني.
كما أكد أن دور إمارة المؤمنين لم يعد مقتصرًا على المجال الداخلي، بل امتد إلى ما يعرف بـ”الدبلوماسية الدينية”، خاصة من خلال التعاون مع عدد من الدول الإفريقية وتكوين الأئمة وتأهيل الأطر الدينية، في إطار يقوم على التشاور والاجتهاد الجماعي.
المذهب المالكي.. امتداد روحي وفقهي راسخ
أكد الباحث أن قوة المذهب المالكي ترتبط بجذوره الروحية والعلمية المرتبطة بالإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، الذي عاش بالمدينة المنورة ونهل من علومها في بيئة قريبة من آثار النبوة.
وأشار إلى أن الإمام مالك عرف بتوقيره الكبير للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما منح المذهب المالكي بعدًا روحيًا خاصًا، جعله مرتبطًا بالاحترام العميق للسنة النبوية.
وأوضح أن خصوصية هذا المذهب تكمن في اعتماده على عدد من الأصول الاجتهادية، من بينها عمل أهل المدينة والمصلحة المرسلة وسد الذرائع، إضافة إلى مراعاة العرف والعادة، وهي عوامل ساهمت في قدرته على التكيف مع التحولات الاجتماعية والثقافية.
وأضاف أن المذهب المالكي وصل إلى المغرب عبر علماء المدينة المنورة، ليصبح المرجعية الفقهية الأساسية التي تؤطر القضاء والتعليم الديني والأحوال الشخصية، بما ينسجم مع الخصوصية المغربية القائمة على الجمع بين الأصالة والانفتاح.
النسب العلوي وتعزيز البعد الروحي للمؤسسة الملكية
وأشار عبد الرحيم حمانة إلى أن المؤسسة الملكية بالمغرب تستمد بعدًا روحيًا إضافيًا من انتساب الأسرة العلوية إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم عبر السيدة فاطمة الزهراء والحسن بن علي رضي الله عنهما.
وأوضح أن هذا الامتداد الروحي شكل عنصرًا حاضرًا في الثقافة الدينية المغربية، التي تقوم على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتجلى في الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف وفي تقاليد المديح النبوي.
كما أبرز دور الزوايا الصوفية ذات المرجعية المالكية، مثل الشاذلية والتيجانية والقادرية، في ترسيخ قيم المحبة النبوية داخل المجتمع المغربي، مشيرًا إلى أن هذه الروابط الروحية ما تزال حاضرة في عدد من المناسبات الرسمية والدينية.
تكامل يحصّن الهوية الدينية المغربية
واعتبر الباحث أن العلاقة بين إمارة المؤمنين والمذهب المالكي تشكل منظومة متكاملة لحماية الهوية الدينية وضمان الاستقرار المجتمعي، حيث ساهم علماء المالكية عبر التاريخ في تأصيل مكانة إمارة المؤمنين، في حين اضطلعت المؤسسة الملكية بدور حماية الثوابت الدينية للمملكة.
وأشار إلى أن هذا التوجه تجسد في النموذج الديني المغربي القائم على ثلاث ركائز أساسية: المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، باعتبارها مكونات أساسية للخصوصية الدينية المغربية.
وأضاف أن هذا التكامل يظهر أيضًا في التعامل مع القضايا الفقهية المعاصرة، مثل المالية الإسلامية وإفتاء الأقليات المسلمة، عبر اعتماد اجتهادات تجمع بين المرجعية الشرعية ومتطلبات العصر.
وخلص الدكتور عبد الرحيم حمانة إلى أن إمارة المؤمنين أصبحت اليوم رافعة لمشروع حضاري متكامل، يشمل تنظيم الحقل الديني وتكوين الأئمة وتأطير التعليم الديني، وتعزيز الحضور الروحي للمغرب في إفريقيا جنوب الصحراء، بما يجعل المملكة نموذجًا يجمع بين المرجعية الدينية والاستقرار المؤسساتي.

